الشيخ محمد رشيد رضا
20
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والتذكير به ، كما أن كثيرا منهم يضل في ذلك من تلقاء نفسه أو باضلال غيره ولا يتصدى لاضلال أحد فيه للعجز عن الاضلال أو لفقد الداعية ، وكل من ذلك الضلال والاضلال واقع باهواء أهله لا بعلم مقتبس من الوحي ، ولا مستنبط بحجج العقل ومهب هذه الأهواء ما كان سبب الوثنية وأصلها وهو أنه كان في القوم الذين أرسل اللّه إليهم نبيه نوحا عليه السّلام رجال صالحون على دين الفطرة القديم فلما ماتوا وضعوا لهم أنصابا تمثلهم ليتذكروهم بها ويقتدوا بهم ثم صاروا يكرمونها لأجلهم ثم جاء من بعدهم أناس جهلوا حكمة وضعهم لها وانما حفظوا عنهم تعظيمها وتكريمها والتبرك بها تدينا وتوسلا إلى اللّه تعالى ، فكان ذلك عبادة لها ، وتسلسل في الأمم بعدهم ، فعلى هذا الأصل الذي بنيت عليه الوثنية - كما في البخاري عن ابن عباس - يبني المضلون شبهاتهم على جميع أنواع العبادة التي عبدوا بها غير اللّه تعالى كالتوسل به ودعائه وطلب الشفاعة منه وذبح الابين باسمه والطواف حول تمثاله أو قبره والتمسح بأركانهما وكل ذلك شرك في العبادة شبهته تعظيم المبين من اللّه تعالى للتب بهم اليه ، وغير ذلك ، وقد راجت هذه الشبهات الوثنية في أهل الكتب الإلهية ، بالأهواء الجهلية ، وأولوا لأجلها النصوص القطعية ، وأجاز بعض منتحلي العلم الديني منهم لأنفسهم وأتباعهم من ذلك ما يعدونه كفرا وشركا من غيرهم ، إما بانكار تسميته عبادة أو بدعوى أن العبادة التي يتوجه بها إلى غير اللّه تعالى لأجل جعله واسطة ووسيلة اليه لا تعد شركا به ، وما الشرك في العبادة إلا هذا ، ولو وجهت العبادة إلى هؤلاء الوسطاء لذواتهم طلبا للنفع أو دفع الضرر منهم أنفسهم - وهذا واقع أيضا - لكانت توحيدا لعبادة هؤلاء لا اشراكا لهم مع اللّه عز وجل ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ) والمخلص للّه من خلصت عبادته من التوجه إلى غيره معه والحنيف من كان مائلا عن غيره اليه ، فما كل من يؤمن باللّه موحد له ( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) وتقدم توضيح هذه المعاني مرارا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ هذا التذييل التفات عن خطاب المؤمنين كافة إلى خطاب الرسول خاصة ، أي ان ربك الذي بين هذه الهداية على لسانك هو أعلم منك ومن سائر خلقه بالمعتدين الذين يتجاوزون ما أحله لهم إلى ما حرمه عليهم ، أو يتجاوزون حد